الشعور بالذنب لدى المرأة العاملة ..تخلصي منه

كانت السيدة ناديا سعيدة في عملها وتترقّب ترقية في المصرف الذي كانت تعمل فيه إلى أن حصلت حادثة «وقعت ابنتها وكسرت رجلها».

شعرت ناديا بالذنب واتُّهمت بالتقصير، فكان عليها الاختيار بين وظيفتها التي تحقّق طموحها الشخصي والمهني، ووظيفتها كأم وربة منزل، فكان القرار بتقديم استقالتها.

إنه الشعور بالذنب الذي دفع هذه الأم إلى التخلي عن حلمها المهني والنجاح فيه. يبدو أنّ النجاح في الحياة المهنية والعائلية في آن، مهمة صعبة بالنسبة إلى بعض الأمهات، فكثيرات يتخلّين عن طموحهن المهني بسبب الشعور بالذنب الذي في غالب الأحيان ينتابهن عند أول عقبة أو حادثة تواجههن. مثلاً تدنّي أداء أبنائهن المدرسي، أو عدم القدرة على التوفيق بين وظائفهن وشؤونهن المنزلية.

فلماذا لا تستطيع بعض الأمهات العاملات المضي قدمًا في تحقيق طموحاتهن؟ ولماذا يخالجهن هذا الشعور بالذنب، رغم أنهن يدركن أن الصعاب أو الحوادث أو المشكلات التي يواجهنها مع الأبناء، سوف تحصل سواء كن يعملن أم لا؟ وكيف يمكن الأم العاملة التخلص من شعورها بالذنب؟ وما دور المحيط الاجتماعي للأم في تعزيز هذا الشعور أو إزالته؟

هذه الأسلئة وغيرها تجيب عنها الاختصاصية في علم النفس والتقويم التربوي الدكتورة لمى بنداق.

 

 

لماذا تشعر بعض الأمهات العاملات بالذنب؟

بداية، علينا تحديد ماهية الشعور بالذنب، وهو عاطفة يواجهها بعض الأشخاص الذين يعتقدون أنهم قد ارتكبوا خطأ ما، فيشعرون بتأنيب الضمير وبالخجل تجاه أفعالهم وسلوكهم وأيضًا تجاه أفكارهم، مما قد يؤدي إلى شعورهم بالغضب تجاه أنفسهم مما ارتكبوه من أخطاء، واضعين في اعتبارهم حكم المجتمع عليهم، مما يفقدهم الشعور بالحرية والإرادة القوية.

وفي حالة الأم العاملة، فإن  للمحيط الاجتماعي دورًا إما في تعزيز شعورها بالذنب، أو العكس إذ يدعمها ويساندها في مسيرتها المهنية وتحقيق طموحها. في الحالة الأولى مثلاً عندما يلقي الزوج أو والدة الأم أو المقربون اللوم على الأم العاملة في حال مرض أحد الأبناء ولم تكن موجودة، أو في حال تأخر أداء الأبناء المدرسي.

كل هذا يدفع الأم إلى تحميل نفسها ما لا طاقة لها به من طريق انتقاد ذاتها بكثرة، وهذا ما يعرف في علم النفس «بجلد الذات» أو عقدة «الشعور بالذنب»، مما يفقدها الثقة بنفسها ويجعلها تدخل في دوّامة من الاكتئاب، وهنا لا نتحدث عن جلد الذات بجرعات طبيعية، والتي تعتبر ضرورية في حياتنا اليومية لتهذيب النفس، إنما عن المبالغة فيها.

أمّا في الحالة الثانية، عندما يكون الزوج مشاركًا في الاهتمام بالشؤون المنزلية وتربية الأبناء، فيساهم بإزالة عبء الشعور بالذنب عند الأم وبالتالي التقدّم في وظيفتها، وفي الوقت نفسه الحفاظ على التوازن العاطفي والعائلي.

 

ما هي أهم التحديات التي تواجهها الأم العاملة؟

التحدّي الأساس الذي تواجهه الأم العاملة هو التوفيق بين واجباتها نحو أسرتها وعملها، هذا من دون ذكر مشاكل العمل، ومتطلبات الشريك، والأبناء والأهل والمجتمع، وهذه مهمة ليست سهلة مطلقًا، وتمثل تحديًّا لها.

لذا نجد أن الأم العاملة غالبًا ما تشعر بأنها مقصّرة، إما تجاه أبنائها أو زوجها، من حيث الوقت والحضور في المنزل. وهنا يبدأ الشعور بالذنب.

ومن أبرز المظاهر التي يمكن رصدها في مجتمعاتنا، نجد عدم تنازل بعض الأزواج عن أي حق منحتهم إياه العادات والتقاليد، لذلك فهم يرفضون القيام بأي عمل منزلي، مثلاً المساعدة في تحضير الطعام أو تحضير الأبناء للذهاب إلى الفراش.

فتجد المرأة نفسها تعيش عبء اختيارها العمل المزدوج وحدها، أي خارج المنزل وداخله، ولا تحصل على دعم الزوج أو دعم المجتمع.

 

هل من تأثير سلبي في الأبناء عندما تكون الأم عاملة؟

هذا كان المعتقد السائد لعقود، ولكن الدراسات الحديثة لاحظت التأثيرات الإيجابية لعمل الأم خارج المنزل على الأبناء. فقد خلصت دراسة قام بها قسم إدارة الأعمال في جامعة هارفرد عام 2015 وشملت 24 بلدًا من بينها بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية، أن بنات الأمهات العاملات هن أكثر نجاحًا في أعمالهن من قريناتهن اللواتي لا تعمل أمهاتهن، ويجنين مالاً أكثر وينلن مراكز قيادية.

وخلصت الدراسة إلى أن البالغين من الرجال الذين أتوا من بيوت فيها أمهات عاملات يمضون سبع ساعات ونصف ساعة في الأسبوع في رعاية أبنائهم، ويساعدون أكثر في الأعمال المنزلية، وأغلبهم يفضلون أن تعمل زوجاتهم.

فيما الآباء الذين اقتصر عمل أمهاتهم على التدبير المنزلي، أكثر ذكورية ويرفضون مساعدة زوجاتهم في الأعمال المنزلية.

وفي المقابل، التأثير السلبي يكون عندما يتخلى الوالدان عن وظيفتهما الأبوية، سواء كانت الأم تعمل أم لا. فعمل الأم خارج المنزل لا يعني إهمال الأبناء، خصوصًا إذا كانوا في سن المراهقة، إذ لا يكفي أن يوفر الوالدان المأكل والملبس والحياة المادية المترفة، فهذا يحدّد علاقة الآباء بالأبناء على أساس مادي بحت، وبالتالي تعمّ الفوضى في المنزل أثناء غياب الوالدين.

وقد تشعر الأم بالذنب حين تواجه أحد أبنائها مشكلة سلوكية، عندها عليهاأن تدرك أن المسؤولية لا تقع على عاتقها وحدها بل على زوجها أيضًا.

 

ولكن هناك الكثيرات ممن يثقلهن شعورهن بالذنب فيتخلّين عن مهنهن… هل هذا قرار صائب؟

هذا يعتمد على شخصية المرأة وطموحها المهني. لذا لا يمكن أن نحكم على ما إذا كان قرارها صائبًا أم لا. ولكن أحيانًا الأبناء أنفسهم يبتزّون أمهم العاملة عاطفيًا، ليحوزوا امتيازات أكثر، والأم بدورها قد تغدق عليهم بالهدايا كي تخفف شعورها بالذنب لأنها ليست حاضرة عند عودتهم من المدرسة، أو لأنها اضطرت مثلاً لأن تسافر خلال عطلتهم المدرسية.

في حين أن على الأم أن تدرك أن حب الأبناء لا يعني أن تكون في خدمتهم على مدار اليوم، وتنسى ذاتها ورغباتها الشخصية وأحلامها، بل من حقها أن يكون لديها كيان خاص. إذ ليس مدة الوقت هي التي تجعل العلاقة بين الأهل والأبناء جيدة، بل نوعية الوقت الذي يمضيه الأهل مع أبنائهم.

وفي المقابل، من الضروري أن يشعر الأبناء بمحبة والدتهم وعاطفتها، ولكن عليهم في الوقت نفسه أن يعرفوا أنهم ليسوا كل شيء في حياتها.

وهذا يساعدهم على تطوير حياتهم الخاصة، وبالتالي لن يشعروا بالذنب لاحقًا عندما يقررون الانفصال عنها. فالتضحية بالحياة المهنية وأحيانًا الشخصية تثقل الأبناء بإحساس بالدين، وكيف يمكن تسديد دين من هذا النوع لأحد الوالدين، أي إعادة آماله وأحلامه التي تخلّى عنها بسببهم.

ولا بد من الإشارة هنا إلى أن عمل الأم يسمح للأبناء بتحمّل بعض المسؤوليات التي لم تكن من صلاحياتهم، فهذا يشعرهم بأنهم أكثر نضجًا، وبأن أهلهم يثقون بهم، مما يعزز لديهم الشعور بالاستقلالية.

 

                                            

ما هي النصائح التي تسدينها للأم العاملة؟

 

ألا تشعر بالذنب:

لا يمكن أحدًا أن ينجز كل المهام الملقاة على عاتقه من دون تعثّر، وبالتالي لا توجد أم تستطيع أن تتم كل مهماتها على أكمل وجه. لذا ليس عليها أن تشعر بالذنب إذا ما أخفقت في مسألة ما، بل يجدر بها التعلم منها لا تأنيب نفسها.

فإذا لم تتمكن من إنجاز مسألة في الوقت المحدّد، أو لم تكن لديها الطاقة الكافية لإعداد طبق لأطفالها، فلا تقلق أو تشعر بالذنب، بل يمكنها أن تخرج وإياهم لتناول العشاء في الخارج. ومن المهم أيضًا تعليم الأبناء أداء واجباتهم وتناول طعامهم، والتعاون في الأعمال المنزلية والاعتماد على أنفسهم في تغيير ملابسهم وترتيب غرفهم، وأن يتولى الكبار منهم مسؤولية رعاية إخوتهم الأصغر سنًا.

والنصيحة الأهم هي عدم الضعف أمام الأبناء، ففي كثير من الأحيان يؤدي شعور الأم بالتقصير تجاه أبنائها لكونها تغيب عنهم ساعات عدة إلى تلبية كل طلباتهم، وهذا من شأنه أن يفسدهم ويجعل العلاقة بينهم قائمة على العطاء المتواصل من طرفها والأخذ من طرفهم، ومن الضروري تحديد عطلة نهاية الأسبوع للراحة والتنزه والترفيه، وبذلك تكون في بداية الأسبوع مفعمة بالنشاط.

 

تنظيم الوقت:

يمكن الوقت أن يكون أفضل صديق للأم العاملة، ولكن في الوقت نفسه يمكن أن يكون ألد أعدائها، جلّ ما عليها القيام به هو معرفة إدارته.

لذا يمكن الأم أن تضع برنامجًا يوميًا يتضمن أوّلاً تحديد الأولويات والمسائل التي على أبنائها إنجازها أثناء غيابها عن البيت، مثلاً تشير إلى أن غداءهم يكون عند الساعة الثانية، بحسب توقيت عودتهم من المدرسة، استراحة نصف ساعة، وبدء إنجاز الفروض والمدة المتوقّعة لكل واحد من أبنائها لإنهاء فروضه المدرسية. الهدف من هذا الجدول هو جعل الأبناء يتحمّلون المسؤولية، كذلك يشعرون بحضور والدتهم المعنوي، فغيابها لا يعني الفوضى وإنما النظام.

وفي حال كانت تتوقع تأخرًا في العمل، تشير إلى ذلك لئلا يرهقوها بالاتصالات الهاتفية، وماذا تتوّقع منهم عند عودتها.

تعلق ورقة هذا البرنامج في مكان يراه كل الأبناء مثلاً على باب الثلاجة، ولمَ لا ! يمكن كل واحد من الأبناء أن يوقع على برنامج عمله وتوقيت إنجازه، كما يمكنهم وضع علامة أو رمز يشير إلى ما إذا كان العمل صعبًا أو سهلاً أو متوسطًا، بذلك يكون الوالدان على اطلاع بما يواجهه أبناؤهما من صعاب مدرسية، مما يتيح لهما تحديدها والعمل على تذليلها، وفي المقابل يشعر الابن بأنه ليس متروكًا وحده.

وبدورها، تضع الأم برنامجًا يتضمن المسائل التي يعود إليها إنجازها.  مثلاً أن تتوقع كل ليلة ماذا عليها القيام به في اليوم التالي، إعداد الملابس والحقائب المدرسية للأطفال ودفع الفواتير، وما عليها إنجازه عندما يكون لديها وقت فراغ.

أما بالنسبة إلى التسوق، فعليها التفكير بالقيام به عبر الإنترنت، إذ 15 دقيقة في استراحة الغداء كافية لإنجازه. أو يمكنها  اختيار وضع لائحة بما عليها انجازه خلال الأسبوع: إما في بداية الأسبوع تنجز جميع المهام، مثلاً التسوق، والمواعيد الطبية، واجتماعات العمل.

بعض الأمهات يقمن  بإعداد جميع وجبات الطعام في عطلة نهاية الأسبوع، ووضعها في الثلاجة. وهكذا عندما تعود الأم من العمل، تخصص وقتها للاهتمام بأبنائها والجلوس معهم والاستماع إليهم ومراقبة واجباتهم المدرسية.

 

المضي قدمًا في العمل:

غالبًا ما تشعر الأم بالذنب بشكل مبالغ فيه عندما يمرض أحد الأبناء أو يتعرض لحادثة، فتشعر بأنها السبب لأنها لم تكن حاضرة، وقد يزيد هذا الشعور حدة عندما يلقي من حولها اللوم عليها، وإن لم يقل لها ذلك صراحة.

ولكن لا، على الأم أن تدرك أن الحوادث والأمراض حدوثها ممكن بوجودها أو في غيابها، إذ ليس الغياب هو السبب وعليها أن تكون مقتنعة بذلك، وكذلك عليها أن تشرح لابنها لمَ عليها أن تعمل، وأنّ حبّها له يختلف عن حبها للعمل أو الرياضة أو والده… فهي تحبه لأنه ابنها، وتحب عملها لأنه يحقق لها رغبتها في النجاح الاجتماعي.

وأحيانًا يبتز الابن، خصوصًا إذا كان صغير السن والدته عاطفيًا ويقول لها مثلاً أنه يحب والده أكثر أو جدّته أو معلمته مثلاً، فهذا يكشف مسألة أخرى، وهي ما إذا كان من حقه أن يحب شخصًا آخر غير أمه، ولكي يعرف ذلك يضعها في منافسة معه، فهل ستغار إذا أحبّه؟ وهذا إعلان عن رغبته في معرفة موقعه في حياتها، وفي الوقت نفسه يحاول ابتزازها عاطفيًا «إن لم تفعلي ما أريده منك، سوف أفضل والدي أو جدّتي عليك».

لذا من المفيد أن يكون للزوج دور في هذا الخصوص، ويذكّر الابن بأنه ليس سيد المنزل، وليس هو من يقرر كيف تمضي أمه وقتها. صحيح أن هذا الأسلوب لا يسعد الطفل، ولكنه يساعده في أن ينمو في شكل قويم.

 

كل شيء في الوقت المناسب:

لتكون الأم حاضرة في حياة أبنائها، من المهم جدًا الفصل بين العمل والعائلة. في المنزل، عليها أن تنسى العمل ومشكلاته، والعكس بالعكس. هذا هو السبيل الوحيد لتكون فعالة وتستفيد من لحظات الهدوء.

وإذا كان أبناؤها يتصلون بها بشكل دائم خلال ساعات العمل، عليها منعهم من ذلك! فالاتصال يكون فقط لحالات الطوارئ. أما في المنزل وأثناء وجودها مع أبنائها فلا تسمح لمديريها أو لأحد زملائها بالاتصال بها لمسألة خاصة بالعمل يمكن معالجتها في اليوم التالي. لذا عليها إيقاف جهاز الكمبيوتر وإغلاق الهاتف المحمول، فآلة الرد على المكالمات كافية لتسلّم الرسائل.

فالوقت الذي تمضيه الأم مع أبنائها وزوجها يجب أن يكون مخصصًا بالكامل لهم جميعًا، ولا يجوز أن يعكر صفوه اتصال عمل يشغلها عنهم.

 

الاسترخاء:

صحيح أن العائلة والعمل بحاجة إلى وجودها، ولكن على الأم أن تعلم أيضًا أنها في حاجة إلى وقت خاص بها للاسترخاء. على سبيل المثال ممارسة نشاط رياضي في النادي لتنفيس التوتر أو ممارسة اليوغا للاسترخاء، أو تمضية وقت مع الصديقات أو التسوق. المهم أن تجد الأم العاملة وقتًا خاصًا بها لتشحن نفسها بالطاقة الإيجابية.

 

الحصول على مساعدة:

العمل قرار يتخذه الزوجان. لذلك يجب على الزوج مساعدة الزوجة في تنظيم الحياة اليومية. لذا لا تتردد في طلب المساعدة منه في رعاية الأبناء وإعداد وجبات الطعام والتسوّق، فتقسيم المهام أمر ضروري للنجاح.

وإذا كانت لديهما الموارد المالية اللازمة، يمكنها أيضًا تعيين مدبرة منزل تتولى مهمة إنجاز الأعمال المنزلية، فيما يهتم الوالدان فقط برعاية الأبناء، ولكن حذار أن تتحوّل الخادمة إلى أم ثانية. إذ من غير المسموح أن تهتم الخادمة بحمام الأبناء أو ترافقهم إلى السرير، بل هذه مهمة الوالدين وحدهما.

 

 

Nobles News