الرئيسية / ثقافة / جمعيات «الحمير» في بلاد الشام … ما بين الأدب والمجتمع..

جمعيات «الحمير» في بلاد الشام … ما بين الأدب والمجتمع..

شمس الدين العجلاني:

يعتبر الحمار أقدم أصدقاء الإنسان ولا ينافسه في ذلك سوى الكلب. والحمار أكثر بروزا في التاريخ، وتمثل تصرفات الحمار معظم التراث المرح في مختلف أنحاء العالم. وللحمار قصص في بلاد الشام، ومن هذه القصص جمعيات الحمير في بلاد الشام، ولكن مع الأسف ليس هنالك من معلومات دقيقة حول هذه الجمعيات، ولم يسبق أن كتب حولها، إنما يقع نظرنا على خبر هنا وإشارة هناك إلى مثل هذه الجمعيات في باطن الصحف والمجلات، وفي السيرة الشعبية التي يتناقلها الناس:

الطنطاوي والحمير

وبهذا الصدد يشار إلى أنه كان في سورية جمعية للحمير بقيادة الشيخ الطنطاوي، وكان من شروط الانضمام إليها إحضار صفة حسنة للحمار لم يحضرها شخص آخر وكانت النتيجة اكتشاف أكثر من (100) صفة حسنة «غير مكررة» لهذا الحيوان غفل الجميع عنها أو لم يفكروا فيها.
جمعية الحمير التي أسسها الشيخ علي الطنطاوي كان من الصعوبة بمكان الانتساب إليها وضمت آنذاك نخبة النخبة في بلاد الشام، وكان يقال إن الانتساب إليها أصعب من الترشح لأي منصب آخر في المؤسسات والجمعيات والنوادي الأخرى، والشيخ الأديب علي الطنطاوي استلهم في كتاباته الرائعة سخريته اللاذعة من مادّة «الحمار»، ففي إحدى جولاته في حديقة الحيوان: رأى الحمير الأهليّة وتساءل- بعد أن صارت الحمير مادّةً للسياحة- عمّا إذا كانت الحمير تغضب حينما تُنادى: يا بشـر!، أولسنا نغضب مثلها حينما يقال لنا: يا حمير! فيقول فيها: (زرت الحديقة، ومشيت مع الناس أنظر كما ينظرون إلى أنواع الحيوان، وأرى فيهم أمثالهم، ولكنها قد تلففت بالثياب… ففيهم حمار له غفلته، وطاووس له خيلته، وذئب له عدوته). ويقف الطنطاوي في مقالته عند كل حيوان في الحديقة ويصفه ويذكر ميزاته إلى أن يقول: (حتى مررت على طائفة من الحمير محشورة في زريبة، طائفة من حمير الشارع تأكل وتهز أذنابها، تتلفت، ترقب العصا تنهال عليها كما يرقب الذليل المهانة، ويعجب إن افتقدها، فلما لم ترها وعرفت أنها في أمان منها بطرت بطر حديث النعمة، وترفعت ترفع اللئيم يسود في غفلة من الدهر، ونسيت ما كانت فيه كما ينسى غني الحرب عهد الفقر، ويأنف من السيارة الفورد وكان لا يجد عربة الكارو، ويدخل أولاده المدارس الأجنبية وكان لا يعرف طريق الكتاب، يستخشن الخز حين يلبسه.. وكان يبري بظفره القلم وفكرت هذه الحمير وقدرت، فانتهى بها التفكير إلى أنها لم تعد حميراً وإنما صارت بشراً، أليس في البشر (حمير)، فلماذا لا يكون في الحمير بشر؟
ومر حمار مسكين، يجر عربة مثقلة بالحشيش لطعام حيوانات الحديقة فنظر إليها فلما رآها.. أجفل وارتد.. ما هذا؟ حمير مثله. إنه يفهم أن يكون في الحديقة نسور وصقور، وفهود ونمور، وزرافات ونعام، وأن يكون فيها حمير الوحش لأنها غريبة المنظر، بعيدة الموطن، نادرة الوجود، أما أن يكون فيها حمير مثله، تسمن وتخدم ولا تعمل، فهذا ما لا يفهمه أبداً. ووقف ونهق لها يحييها، فترفعت عنه وتألمت من تطاوله عليها، ومدت شفاهها الرقيقة، وضمت آذانها القصيرة، ولوحت بأذنابها استنكاراً واستكباراً ونسيت أصلها وتجاهلت أخاها كما يفعل الموظف الصغير الذي يعيش بمال الأمة إذا وقف عليه أحد أبناء الأمة يسأل حاجة، فيظنه يسأل صدقة، أو يطلب إحساناً، أو الشرطي حين يلقى البائع السيار من أهل بلده، وترجمان المستشار حين يقابل واحداً من بني قومه… فلما رأى ذلك منها، بصق ومشى يلعن الحظ الذي جعل الحمير… سادة، وأقام (الناس لهم خدماً وخولا! وبكى على خلائق الجنس ( الحماري) لقد ضاعت تلك الخلائق، وهبطنا حتى صرنا مثل بني آدم، لا نعرف أقدار أنفسنا ولا أقدار إخواننا. وجعلت أعاود الحديقة، وأكرر زيارتها، فأرى هذه الحمير محشورة في الزريبة، تأكل وتشرب، وتتعجب لماذا لا يقف عليها أحد! إنها لا تلعب لعب القردة، ولا تغني غناء البلابل، ولا تملك هيبة السبع، ولا ضخامة الفيل، ولكن لها فنها وجمالها، وما الفرق بينها وبين غيرها، ألا يقرأ الناس لأدعياء الرمزية ولصقاء الأدب، ولصوص البيان، كما يقرؤون لأئمة البلاغة، وملوك الكلام؟ ولكن هذه (الفلسفة) لم تقنع أحداً فظل الناس معرضين عنها لا يحفلون بها. وماذا يبتغون بها؟ وهل قلّت الحمير حتى لا تشاهد إلا بقرش صاغ؟ إن الحمار يبقى حماراً ولو وضعته في القصور، وأركبته السيارات، وكسوته الحرير، وأطعمته الفستق المقشر… حتى كان أمس فرأيت القائمين على الحديقة، قد عزموا على إخراج هذه الحمير منها، كي يوفروا على أنفسهم ثمن طعامها، وينتفعوا بجهدها وعملها، ويجملوا الحديقة بإبعادها عنها… فعلمت أن هذه آخرة كل (حمار) يتجاوز قدره، وينسى أصله، فليعتبر سائر الحمير!).
كما كتب الطنطاوي عدة مقالات في الصحف الدمشقية حين كان مستشاراً لمحكمة النقض في النصف الأول من القرن الماضي، تحت عناوين مختلفة يتناول من خلالها جوانب المجتمع المختلفة منتقداً السلبيات بالسخرية اللاذعة مستخدماً الحمار محوراً لذلك، ومن هذه المقالات مقالة بعنوان «يؤمنون بالحمار». وفي كتابه (ذكريات) الجزء الثاني يرى الطنطاوي أن الحيوانات قد تكون أوفى من الإنسان.؟ فيقول: (الإنسان يربي كلباً فيفي له، وحماراً فلا يرفسه، ويطعم القط فلا يعضه… عجباً! أيكون الكلب والحمار والقط والنمر أوفى من الإنسان؟).

الأفغاني والحمير

يقول عاصم بن محمد بهجة البيطار تحت عنوان (الأستاذ المعلم المربي سعيد الأفغاني وحديث الذاكرة): (ومن الطرائف التي ما زلت أذكرها أن الشيخ اقترح يوماً أن يتحدث الحضور في موضوعات شتى تبدأ من التعليق على خطبة الجمعة على أن يكون الحديث كله شعراً… كما اقترح في يومٍ آخر أن يؤلف الحضور جمعية دَعوها: جمعية الحمير، وأن يصدروا في كل ما يقولون عن تصوّرهم لطرائق الحمير في التفكير، وقد توصلوا في حوارهم إلى أن عالم الحمير قد يكون أقرب إلى الخير، وأبعد عن الشر من المجتمع الإنساني الذي تقوده الأطماع، ويستعبده المال والجاه والسلطان. وكان أستاذنا الأفغاني أقلّ الحاضرين كلاماً، على أنه لم يكن يفوته النقد اللاذع، أو الملاحظة الموجعة، وكثيراً ما كان يتبادل مع الأستاذ الطنطاوي الحديث الساخن والنقاش الحاد‏).
جمعية (حمار أبي سيارة)

وبهذا الصدد نقرأ أنه كان هنالك جمعية بدمشق تضم نخبة مختارة من أعضاء المجمع العلمي العربي وأصدقائهم، تسمى جمعية (حمار أبي سيارة)، وحمار أبي سيارة هذا اكتشف بفطرته أن الحمير قليلة التعرض للأمراض ولديها طاقة كبيرة على تحمل الصعاب والشدائد، فوظف حماره لخدمة الحجيج لسنوات عديدة ولم يمرض يوماً واحداً أو يتأفف من العمل، فكان دائماً صحيح الجسم، وكناية على ذلك كان يقال للإنسان القوي الجسم إن صحته (أصح من حمار أبي سيارة)، ومن هنا اشتق اسم جمعية حمير دمشق.

جمعية حمير القامشلي

كما يشار إلى أن هنالك جمعية للحمير في مدينة القامشلي أسست في بداية السبعينيات من القرن الماضي تحت اسم (جمعية المثقفين الحمير) وكانت تضم مجموعة من الأدباء والمثقفين برئاسة أحمد الحمود، وكانت هذه الجمعية تضم أعضاء من جميع شرائح المجتمع، وكانت فكرة هذه الجمعية تقوم على: (أن على المثقف الإنسان أن يكون شبيهاً بالحمار، فيخدم الناس بكل تواضع، من دون أي تكبُّر، وبذلك يغدو مثقفاً حقيقياً)، حسبما كان يصرح بذلك أعضاء الجمعية.

جمعية حمير عامودا

يقول الباحث خالد العيسى: (أتذكر أن بعضاً من الشباب رأوا أن الكثير من الحمير تترك مشردة في الشوارع، والبرد القارص في فصل الشتاء يشكل خطراً على هذه الحمير، فشكلوا جمعية لحماية حمير عامودا من العذاب والهلاك، واستعاروا بيتاً خالياً ومهجوراً، وبدؤوا بجمع الحمير داخل ذلك البيت، وقاموا بحملة لجمع التبرعات لشراء العلف اللازم. وأنا شخصياَ دعمت ذلك المشروع بشكل متواضع، وسهلت إداريا الحصول على العلف. لكن على ما يبدو كان غضب السماء أقوى من رغبة وإمكانيات الطيبين من أهل عامودا، فتحت شدة الأمطار انهار البيت القديم على الحمير، وتحول المشروع الخيري إلى مأساة. وذهب الحمير في طريق اللاعودة، إلى الراحة الأبدية. ورغم النهاية المأساوية لهذه المبادرة، فهي تبقى مليئة بالعبر لمن يريد معرفة سكان عامودا وأطباعهم).

نادي الحمير الآن

لم يعرف نشاط لجمعيات الحمير في سورية برغم القول إنه كان هنالك جمعية معترف بها للحمير كانت موجودة زمن الوحدة مع مصر، وأن الرئيس جمال عبد الناصر استثناها من قرار حل الأحزاب والجمعيات في أثناء قيام الوحدة. ولم تعرف الصحافة السورية منذ الستينيات من القرن الماضي، أي منذ إغلاق صحيفة المضحك المبكي، أي نشاط ملحوظ عن الحمير، اللهم سوى الحديث عن انقراضهم أو سبل استعمالهم التي باتت نادرة… ولكن اللافت للنظر ظهور (هويات) مطبوعة لأعضاء جمعية (الحمير) كان يتبادلها طلاب المدارس والجامعات في السبعينيات من القرن الماضي على سبيل الدعابة والمزاح وكانت تباع في الأسواق.
ويوجد الآن جمعية أو ناد للحمير في سورية لم يتابع نشاطه منذ سنوات عدة بسبب رحيل رئيسهس الفخري الدكتور أميل جبلي. ومنذ عدة سنوات كان هنالك حديث في الشارع السوري حول تأسيس جمعية للمحافظة على الحمير ورعايتها.

جمعية الحمير اللبنانية

أما في لبنان فكان هنالك ناد للحمير في بيروت ضم في عضويته العديد من الأدباء والفنانين، وكان آخر رئيس لهذا النادي الفنان الكوميدي نجا نصار، وكان هنالك تواصل ونشاطات مشتركة مع جمعية الحمير بدمشق، ومن ثم تلاشت النشاطات واللقاءات المشتركة وبقيت في المناسبات فقط.

جمعية الحمير الأردنية

وفي التسعينيات من القرن الماضي تأسست في الأردن جمعية حملت الاسم نفسه «جمعية الحمير» كان مؤسسها وواضع دستورها ونظامها الداخلي الصحفي إبراهيم أبو ناب، وقد أشار بعض أعضائها إلى أهمية الاقتداء بالصفات «الحمورية» للتغلب على جميع العقبات التي تعترض طريق النهوض والتقدم والرقي من صبر وعزم وأخلاقيات عالية ومصداقية ونظافة يد ولسان وفلس ضارب أطنابه من دون أي محاولة لتغيير واقعه عبر بيع النفس في سوق الكتابة والصحافة.. على سبيل المثال. فللحمير أسرارها ولها صفاتها التي يعجز الكثير من الناس عن التطاول عليها.. ناهيك عن استعدادها للاكتفاء بوجبة غذائية من نوع واحد مدى الحياة. ألا وهي (التبن) وعن هذه الجمعية يقول إبراهيم المبيضين: (وفي التسعينيات تأسست في الأردن جمعية حملت الاسم نفسه «جمعية الحمير» كان حمارها الأكبر ومؤسسها وواضع دستورها ونظامها الداخلي المرحوم إبراهيم أبو ناب.. وكنت أحد أعضائها بدرجة: حمار.. علما أن أصناف العضوية ودرجاتها كان تضم: الجحش، والحمار، والحمار الكبير، ثم تلك المرتبة المبجلة والوقورة: الحمار الأكبر..).
ويتابع القول في رسالة بعث بها لأحد أصدقائه: (ولو علمت يا عزيزي عن مبادئنا في تلك الجمعية، لسارعت بالانضمام إليها، ولربما كنا قَبِلنا بك حماراًَ عزيزاً مبجلاً.. لأنها كانت ـ أي المبادئ ـ تشتمل على كل ما تبحث عنه عبثا ولا تجده إلا قليلا لدى البشر من صبر وعزم وأخلاقيات عالية ومصداقية ونظافة يد ولسان وفلس ضارب أطنابه بلا أي محاولة منا لتغيير واقعه عبر بيع النفس في سوق الكتابة والصحافة..).

جمعية الحمير الفلسطينية

يحدثنا وليد رباح في صحيفة الصباح الفلسطينية الصادرة يوم 9-9-2008م عن جمعية الحمير الفلسطينية فيقول: تشكلت في مدينة القدس المحتلة جمعية للحمير تحت اسم (جمعية التيوس الفلسطينية) في خمسينيات القرن الماضي.. وكان جل أعضائها من الحكومة التي شكلت في الأردن يوم كانت وحدة الضفتين.. أما بقية الأعضاء فكانوا من علية القوم: أطباء وصيادلة وأدباء ووزراء (وزير الصحة ووزير الداخلية والمالية) وكان رئيس جمعية التيوس هو رئيس الوزراء في ذاك الزمان.. وله مكتب في مدينة القدس، وكان يضع إلى جانب طاولته شوالين أحدهما مملوء بالشعير والآخر مملوء بـ(الكرسنه) ويشترط في من ينتمي للجمعية أن (يلهف) حفنة مما يحويه الكيسان.. ثم يبدأ بالمأمأة والنحنحة والحبو على قدميه ويديه حتى يقتنع رئيس الجمعية أنه أصبح (تيسا).. ثم من بعد ذلك يكتب إقرارا بأن لا يفشي سر الجمعية.. وإلا فإن مرتبته بين التيوس سوف تنخفض إلى (معزة).

أما النساء فلم يكن في تلك الجمعية أعضاء منهن سوى واحدة انتقلت إلى رحمة ربها في الثمانينيات من القرن الماضي.. ولقد احتار الرئيس والأعضاء في قبولها عضواً في الجمعية وكيف ستحبو على قدميها ويديها بعد أن أكلت حفنة من الشعير وأخرى من الكرسنة.. فتقرر بالإجماع إعفاؤها من الحبو حتى لا تبين عورتها للأعضاء.. إذ لم يكن البنطلون للأنثى قد اخترع بعد.. فالتيس مذكر كما نعلم.. ولقد اقترح بعض الأعضاء أن يسموها (تيسة) ولكنهم لم يجد في قواميس اللغة معنى لهذا الاسم.. واقترح الرئيس تسميتها (التيس الجميل) رغم بلوغها الخمسين في ذلك الوقت.. ولكن ذلك أيضاً كان نشازا.. فالتيس لا جمال ولا كمال ولا سحنة نظيفة له.. وأخيراً استقر الرأي على تسميتها (التيس المخنث). وفي عام 2007 نشطت في فلسطين جمعية أوروبية للاهتمام بالحمير وكان مجال عملها في قرى الضفة الغربية في مجال الرعاية والتثقيف للمواطنين في التعامل مع الحمير، وكانوا يقومون بزيارات ميدانية للقرى والتجمعات الريفية في الضفة، ويدعون الأهالي ممن لديهم حمير لجلبها وفحصها وتقديم العلاج لها إن احتاجت، وقامت الجمعية بتوزيع كتيبات ونشرات تثقيفية عن الحمير وكيفية رعايتها.

Nobles News