منذ تأسيسها لم يكن خافيا رسالة قناة الحرة, ومن متابعة يوم واحد لا يعود اسمها محل لبس في التأويل, فالحرة لا علاقة لها بالحرية كمفهوم وفلسفة وحق من حقوق الإنسان الأساسية, بل بمعنى التحدي والاستفزاز, كحال فتاة أو فتى يقومان بما يحلو لهما من أفعال تتسم بالشاذ وغير اللائق ثم يقولان نحن أحرار دون أدنى اهتمام بما آذوك أو ضايقوك به, وحريتهما والحال هذه على نقيض الحرية التي تقوم على احترام استقلال الآخر وخصوصيته وحقه في مساحة سلام وأمن لا يستباحان .
بالأمس قلت لنفسي لنر ما الذي استجد على القناة : كان الخبر الرئيس عن سقوط تسعة شهداء من قطاع غزة, ولن أدخل الآن في جدل تعريف أربعة أطلق عليهم لقب ناشطين فجاز إطلاق القذائف عليهم أي بالمعنى الحقوقي إعدامهم حتى قبل محاكمتهم ولو محاكمة صورية .. فالفاجعة كانت في شهداء آل فياض . . . خمسة من أسرة واحدة, وأين ? ليس في معسكر أو خيمة تدريب أو تظاهرة احتجاج, بل في منزلهم, وأي منزل ?
لمن لم يستوقفه المنزل أتمنى عليه العودة إلى لقطاته وصوره بعد القذيفة .. الدار فيلَّا معتنى ببنائها وزخرفها وديكورها الخارجي, ما يعني أنها كانت تتويجا لجني العمر, وأن أهلها على الأغلب يرسمون لحياة مستقرة عادية وهانئة, وكانوا يظنون أنهم أخيرا حصلوا على واحة أمنهم الشخصي ..
خمسة شهداء, لم تكن القناة أمينة حتى في نقل تفاصيل (وفاتهم) فقد أغفلت حقيقة أنهم لم يستشهدوا جميعا بعد قصف البناء وانهياره, فالأم تلقت في صدرها رصاصة قناص عندما خرجت تصرخ طالبة الإنقاذ, ثم كانت رصاصة ثانية بانتظار ابنتها التي حاولت استعادتها إلى الأنقاض وقد صارت أكثر حنواً من أرض سميت تاريخيا أرض السلام والأنبياء .
خمسة شهداء من غزة ليسوا ناشطين, هم فقط فلسطينيون بمقابلهم سقط مسعفان فلسطينيان وجرح آخران دون أن يثار ناموس المراسل أو إنسانيته أو نخوته ولا أقول وطنيته, فأنا أدرك أن للعمل في الحرة أثماناً لا بد من دفعها .
وكأنه لا يكفي ما تقدم, فقد اختتمت الرسالة بكلام لا يقل إيذاء عما سبقه بأن الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء ينشدون الخروج من دوامة العنف هذه . يا للبراءة المدماة ! ومع ذلك نرضى بالبين إن نقلت القناة بثها إلى داخل الأراضي الأمريكية ولو لساعة إذ تظل الحقيقة جارحة رغم التجميل والتزوير.